أبي طالب المكي
362
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
والتقوى ، وألفة في الدين . وقال بعضهم : استكثر من الإخوان ، فإن لكل مؤمن شفاعة ، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك . وكانوا يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة ، ويقال : إذا غفر للعبد شفع في إخوانه . وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا غريبا في تفسير قوله تعالى : * ( ويَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ويَزِيدُهُمْ من فَضْلِهِ ) * [ الشورى : 26 ] . قال : يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم . وممن مال إلى هذا الطريق : ابن المسيب والشعبي ، وابن أبي ليلى وهشام بن عروة ، وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله ، وابن عيينة وابن المبارك ، والشافعي وأحمد بن حنبل ، ومن وافقهم . وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنّ أقربكم مني مجلسا أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون . وروينا عنه صلى الله عليه وسلم : المؤمن مألوف ولا خير فيمن يألف ولا يؤلف ، وقد قيل : أول ما يرفع من هذه الأمة . الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة . وفي الخبر : من أراد الله به خيرا رزقه خليلا صالحا ، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه . وروينا في خبر مثل الأخوين : إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى ، وما التقى مؤمنان إلَّا أفاد الله عزّ وجلّ أحدهما من صاحبه خيرا . وروينا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : من آخى أخا في الله عزّ وجلّ ، رفعه الله عزّ وجلّ درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله . ويقال إنّ الأخوين في الله عزّ وجلّ إذا كان أحدهما أعلى مقاما من الآخر ، رفع الآخر معه إلى مقامه ، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين ، والأهل بعضهم ببعض ، لأن الأخوة عمل كالولادة . وقد قال الله سبحانه بعد قوله : * ( أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما أَلَتْناهُمْ من عَمَلِهِمْ من شَيْءٍ ) * [ الطور : 21 ] . أي وما نقصناهم . وقال تعالى مخبرا عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته : * ( فَما لَنا من شافِعِينَ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) * [ الشعراء : 100 - 101 ] . ومعنى حميم أي هميم ، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما ، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره ، ففيه دليل أنّ الصديق لك هو المهتم بك ، وإنّ الاهتمام حقيقة الصداقة . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن كثير بأخيه ، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما أعطى عبد بعد الإسلام خيرا من أخ صالح ، وقال أيضا : إذا رأى أحدكم ودّا من أخيه فليتمسك به ، فقلما تصيب ذلك . وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاما منظوما شعرا : ما نالت النفس على بغية * ألذّ من ودّ صديق أمين من فاته ودّ أخ صالح * فذلك المقطوع منه الوتين وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقّا يقين . وروينا في الأخبار السابقة إنّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى عليه السلام : يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك